ابن حزم

599

الاحكام

حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد الهمداني ، ثنا أبو إسحاق البلخي ، حدثنا الفربري ، ثنا البخاري ، نا علي بن عبد الله ، نا سفيان ، عن يحيى هو ابن سعيد الأنصاري ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة أم المؤمنين قالت : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال : ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له ، وإن شرط مائة شرط . قالوا : فهذه الآيات وهذا الخبر ، براهين قاطعة في إبطال كل عهد وكل عقد وكل وعد وكل شرط ليس في كتاب الله الامر به ، أو النص على إباحة عقده ، لأن العقود والعهود والأوعاد شروط ، واسم الشرط يقع على جميع ذلك . قال أبو محمد : وأيضا فيقال لمن أوجب الوفاء بعقد أو عهد أو شرط أو وعد ، ليس في نص القرآن أو السنة الثابتة إيجاب عقد وإنفاذه : إننا بالضرورة ندري أنه لا يخلو كل عقد وعهد وشرط ووعد التزمه أحد لاحد وجهين لا ثالث لهما : إما أن يكون في نص القرآن أو السنة إيجابه وإنفاذه ، فإن كان كذلك فنحن لا نخالفكم في إنفاذ ذلك وإيجابه ، وإنما أن يكون ليس في نص القرآن ولا في السنة إيجابه ولا إنفاذه ، ففي هذا اختلفنا . فنقول لكم الآن : فإن كان هكذا فإنه ضرورة لا ينفك من أحد أربعة أوجه لا خامس لها أصلا : إما أن يكون فيه إباحة ما حرم الله تعالى في القرآن ، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا عظيم لا يحل ، قال تعالى : * ( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ) * ونسألهم حينئذ عمن التزم - في عهده وشرطه وعقده ووعده ، إحلال الخنزير والأمهات وقتل النفس ، فإن أباح ذلك كفر ، وإن فرق بين شئ من ذلك تناقض وسخف وتحكم في الدين بالباطل . وإما أن يكون التزم فيه تحريم ما أباحه الله تعالى في القرآن أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا عظيم لا يحل ، قال تعالى : * ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ونسألهم حينئذ عمن حرم الماء والخبز والزواج وسائر المباحات ، وقد صح أن محرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق . وإما أن يكون التزم ما أوجبه الله تعالى في القرآن ، أو على لسان رسوله